

“قصة قصيرة”
طلبتُ من السائق التوقف عند الشاطئ قليلاً فكم أعشق لحظة الغروب، وهو ما أصبح روتيناً شبه يومي بالنسبة لي ، جلستُ على الرصيف المحاذي للشاطئ كعادتي المسائية، لم يكن البحر الليلة كما هو في باقي الليالي، لا أعلم لماذا شعرتُ بأن أمواجه تناديني.
سرتُ بخطىً مترددة حيث ألا أحد على الشاطئ في هذه الساعة الباردة من المساء، وصلتُ إلى أن ارتطمت أمواجه بقدميّ الحافيتين، شعرتُ بأنه يريدُ أن ينبئني بشيءٍ ما لكني لازلتُ لم أفهم شيئاً، بدأت أصوات النوارس تتعالى إني أسمعها قادمة من كل مكان، لا أعلم لماذا شعرتُ بالخوف فأنا معتادة على صوتها، ما زاد خوفي وقلقي هو اقتراب صوتها أكثر، نعم لقد بدأتُ أراها، بياض ريشها يلمع وسط الظلام.
إنها تقترب مني ، ربما كانت تحمل الرسالة التي عجز البحر عن قولها لي، يال حالي! لقد بدأت تقترب مني أكثر،يااه، إنها تهبط نحوي… لقد بدأت تنقر رأسي!، وبدأت أمواج البحر تجذبني نحوه، أنا خائفة، مرتعبة، لكني لا أشعر بألم! لا أشعر بأيّ ألم! ماذا يحدث، ما الذي يحصل معي، يا إلهي، لابد أنه أحد أحلامي المزعجة التي أحتاج إلى من يوقظني منها.
استمرت الأمواج في جذبي، أخذ الماء يرتفع، أو أني أنا التي بدأت في الغرق، لم أعد أعرف شيئاً، انغمستُ في الماء حتى عنقي، كلما حاولتُ الارتفاع تذكرتُ أني لا أستطيعُ السباحة!، حاولتُ القفز مراراً، ولكن الموج يدفعني نحو البحر بشدة، وجسدي متهالكٌ لا يقوى على المزيد من المقاومة، و النوارس لازالت تنقر رأسي بقسوة، تتناوب فيما بينها عليه،تفجّر الدم من رأسي، ولا زلتُ لا أشعر بشيء فقط أشعرُ بالدم يسيلُ على وجهي، اختلط دمي بماء البحر،أصبح لون البحرُ أحمرَ لكن الزبد ظل على بياضه، غُصتُ إلى الأعمق، لكني لم أمت! فأنا لا زلتُ أتنفس!،ولا زلتُ فاتحةً عينيّ، أنا لا أرى شيئاً غير الأوساخ التي يتلاعب بها الموج من باقيا رواد الشاطئ.
رفعتُ رأسي للأعلى رأيتُ النوارس لازالت هناك متربصةً بي تنتظرُ أن أطفو، وضعتُ قدماً على الأخرى في وضع الوقوف، كانت هذه الحركة كفيلةً بأن أرتفع للأعلى، رأت النوارس سراب صورتي مقتربةً من السطح فاقتربت بدورها، خفتُ منها فمازال رأسي ينزف، فحاولت الانخفاض للأسفل، جلستُ في وضع القرفصاء كان ذلك الوضعُ كفيلاً بأن يهبط بي إلى الأسفل، وظلت ذراعاي تعبثان بالماء من حولي، أني أحاول التخلص مما أنا فيه، لا أعلم إلى أين أذهب، يبدو أن الموت مترصدٌ بي ولكن لا أعرف متى سيكون، فلا أنا بالحية الآن ولا بالميتة!.
بدأت حركة الماء تزدادُ من حولي، إني أشعر بأشياء ترتطمُ بجسدي، تدفعني في كافة الاتجاهات، أخذت أحبس الهواء في صدري، ولا أعلم لماذا؟ فأنا قادرة على التنفس هنا، إنه الخوف هو من حبس أنفاسي، لم أعد أستطيع التحكم بجسدي، بدأت أرتعشُ برداً وخوفاً، أشعر بأن أوصالي قد تفككت، لا أعلم ما الذي يحدث، أصبحت الارتطامات أكثر، تجرأت أن أمد يدي لأعرف ما الذي يجري؛ فظلمة البحر قد أعمت بصري، هذه الأجسام التي ترتطمُ بي ملساء، كبيرة، لابد وأنها أسماك القرش، فدمائي التي سالت والتي تستطيع أن تشتمّ رائحتها من بعد أميال تكفي لأن تنبئها بوجود فريسة سهلة، لازلتُ أحاول أن أضمّ نفسي إليّ، فليس هناك مهرب، لكن الغريب أنها ترتطمُ بي ولا تفعلُ شيئاً، أنا لا أشعر بأي ألم!.
أخذتُ أتحسسُ جسدي، كل أعضائي كاملة، لم ينقص منها شيء، ولازالت ترتطم بي، لابد أنها لا تراني ولا تشعر بي!، فلا تفسير غير ذلك، هذا التفسير يجعلني أطمئن! رغم أني لازلت أنتظر الموت!، ربما كانت هناك وسيلة لموتي أخف من أن يقضمني سمك القرش!، أي كابوسٍ هذا؟ متى سأموت! أنا لا أريد أن أدفن في بطن سمكة قرش! أريد أن يعرف الناس بموتي، أن يصلوا عليّ، ميتةٌ كهذه لا تليق بي!، لابد من مهرب، لابد من طريق للفرار، هل كان يريد البحر أن يقول لي أني سأذوبُ فيه وأصبحُ ذراتٍ منه! هل هذا ما كان يود قوله لي عندما دعاني إليه؟ كم أكرهك أيها البحر، تناديني إليك لتقضيّ عليّ وأنا التي لم أكن لك إلا كل محبة!.
ويحي! ما أن أجد وسيلة للخروج منك، صدقني أني لن أعود، لن أنظر إليك حتى في الصور!، ما الحيلة! كل تلك الوعود لا فائدة منها، فلأحاول الخروج أولاً، ولن أنسى غدركَ ماحييت! يئستُ مما أنا فيه، وضعتُ كفيّ على وجهي، بقيتُ هكذا لوقتٍ لا أعلمه، لم أنتبه.. حتى ضغط السائق على زامور السيارة! يااااااااااااااااااااه..
هذه المرة الأولى التي أمتنّ فيها لصوت الزامور!
تمت
رسموني بسمة